ابن عجيبة

112

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وسبب هذا : الركون إلى دار الغرور ، ونسيان دار الخلود ، ولذلك قال تعالى بإثره : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي : وما أعمالها إلا لعب ولهو ، تلهى الناس وتشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية ، وما مدة بقائها مع ما يعقبها من الفناء إلّا كمدة اللعب واللهو ، إذ لا طائل تحته لمن لم يعمر أوقاتها بطاعة ربه ، وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ؛ لدوامها وخلوص نعيمها وصفاء لذاتها ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ أىّ الأمرين خير ، هل دار الخراب والفناء ، أو دار النعيم والبقاء ، وفي قوله : لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ : تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين كله لعب ولهو . الإشارة : إذا كمل نور العقل حصل لصاحبه التمييز بين الحق والباطل ، وبين الضار والنافع ، فنظر بعين اعتباره إلى الدنيا ، فوجدها ذاهبة فانية ، ونظر إلى الآخرة ، فرآها مقبلة باقية دائمة ، فصدف عن الدنيا موليا ، وأعرض عن زهرتها مدبرا ، وأقبل بكليته إلى مولاه ، غائبا عن كل ما سواه ، فجعل الموت وما بعده نصب عينيه ، وخلف الدنيا وراء ظهره أو تحت قدميه . وفي الحكم : « لو أشرق نور اليقين في قلبك ، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها ، ولرأيت الدنيا ، وكسفة الفناء ظاهرة عليها » وقال بعض الحكماء : ( لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من طين يبقى ، لاختار العاقل ما يبقى على ما يفنى . ولا سيما والأمر بالعكس ، الدنيا من طين يفنى ؛ والآخرة من ذهب يبقى ) . فلا يختار هذه الدار إلا من لا عقل له أصلا . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الدّنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، لها يجمع من لا عقل له ، وعليها يعادى من لا علم عنده » « 1 » . أو كما قال عليه الصلاة والسلام . ثم سلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما لقى من قومه ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 33 إلى 35 ] قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) قلت : « قد » للتحقيق ، وإنه ضمير الشأن ، وقرأ نافع : « يحزن » ، بضم الياء حيث وقع ، إلا قوله : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ « 2 » والباقون : بفتح الياء ، وفيه لغتان : حزن يحزن ، كنصر ينصر ، وأحزن يحزن . والأول أشهر .

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه أحمد في المسند 16 / 71 من حديث السيدة عائشة - رضى اللّه عنها . ( 2 ) من الآية 103 من سورة الأنبياء .